الغزالي
33
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
هذه القسمة . يعني أنها ليست بإنصاف ، فحكيت ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فغضب واحمرّ وجهه ولم يقل شيئا سوى أن قال : « رحم اللّه أخي موسى فإنه أوذي فصبر على الأذى » « 1 » . فهذه الجملة من الحكايات والأخبار تقنع في نصيحة الولاة ؛ إذا كان أصل إيمانهم ثابتا أثر فيه هذا القدر ، فإن لم يؤثر ما ذكرناه فيهم فقد أخلوا قلوبهم من الإيمان ، وإنه ما بقي من إيمانهم إلّا الحديث باللسان . عامل يتناول من أموال المسلمين في كل سنة كذا وكذا ألف درهم ويبقى في ذمته ، ويطالب بها في القيامة ويحصل بمنفوعها ويبوء بالعقوبة والعذاب يوم المرجع والمآب كيف تؤثر عنده هذه الأسباب ؟ وهذا نهاية الغفلة ، وقلّة الدين وضعف النحلة . * * * الأصل الخامس إنك في كل واقعة تصل إليك وتعرض عليك تقدر أنك واحد من جملة الرعية وإن الوالي سواك ، فكل ما لا ترضاه لنفسك لا ترضى به لأحد من المسلمين ، وإن رضيت لهم بما لا ترضاه لنفسك فقد خنت رعيتك وغششت أهل ولايتك . روي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان قاعدا يوم بدر في ظلّ ، فهبط الأمين جبريل عليه السلام فقال : يا محمد أتقعد في الظلّ وأصحابك في الشمس « 2 » ؟ فعوتب بهذا القدر . وقال عليه الصلاة والسلام : « من أحبّ النجاة من النار والدخول إلى الجنّة
--> ( 1 ) صحيح البخاري [ جزء 3 - صفحة 1148 ] رقم 2981 . وصحيح مسلم [ جزء 2 - صفحة 739 ] رقم ( 1062 ) . ونصه : لما كان يوم حنين آثر النبي صلى اللّه عليه وسلم أناسا في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى عيينة مثل ذلك وأعطى أناسا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة . قال رجل : واللّه إن هذه القسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه اللّه . فقلت : واللّه لأخبرن النبي صلى اللّه عليه وسلم فأتيته فأخبرته فقال : ( فمن يعدل إذا لم يعدل اللّه ورسوله ، رحم اللّه موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر ) . ( 2 ) قال في كنز العمال [ جزء 9 - صفحة 69 ] رقم 24832 : رواه ابن منده عن بريدة . وقال : منكر تفرد به محمد بن حفص القطان .